قراءة في كتاب الدكتور عدنان الشحماني

في مؤلّفه (الأقلون)، يناقش الدكتور عدنان الشحماني فضيلة من فضائل النفس البشرية، تتعلق برفعة الخلق وتواضع النفس أمام بارئها، ألا وهي فضيلة الشكر، وينطلق من الشكر في سياحة فكرية عقائدية فلسفية نفسية تجعل من الشكر عالماً قائماً بذاته، ومن الشاكر إنساناً كلي الوجود، يعيش صراعه الخاص بين الخير والشر، بمعرفة ومدرك عقلي وروحي.

وإذا شئنا أن نولي العنوان عناية يستحقها فإننا نقف أمام عنوان ينم عن طاقة أدبية وذوقية رفيعة، حين نقرأ:

الأقلون .. صراع الطين والنار

ففي (الأقلون) نتلمس الندرة العددية، وأهمية نوع السلوك الذي يندر سالكوه، فإن جميع الديانات والثورات وحركات التنوير تبدأ دائما من القلة النوعية الفاعلة من الناس، وهي إشارة ينطلق منها إلى مفردة الصراع الذي يعيشه الأقلون، مما يضعنا في بداية العنوان أمام قلّة تخوض صراعاً، ولكن ما هو مكمن الصراع؟ وما هي أدواته؟ ومن يخوضه؟ وما هي صفاتهم؟

هنا يستثمر الدكتور عدنان الشحماني طاقات اللغة، باستخدام مفردات ذات بعد سيميائي إشاري أدبي عالي الترميز، وسهل الوصول في الوقت نفسه، فهذا الصراع يدور بين الإنسان وإبليس، ولكنه يشير إليهما بالطين والنار، فتعبير الطين عن الإنسان يحمل إشارات مشتركة بينهما، واستعارة لغوية أيضاً، فالطين أصل الإنسان ومادته الأولى عقائديا وعلمياً، كما هو مادة البناء الأولى للعمران، والطين منتج كذلك، فهو بيئة الزرع والخصب والنماء، كما أنه قابل للتشكيل وإعادة التشكيل لمرات ومرات، في إشارة إلى الأمل وعدم اليأس من إعادة النظر في تشكيل النفس والظروف وعدم اليأس من التغيير، فضلاً عن هدوء الطين وسلامه فهو غير مؤذٍ ولا ضار.  

الجانب الآخر من الصراع هو إبليس، الذي يستعير الدكتور عدنان الشحماني لوصفه مفردة قرآنية دون غيرها لتكون ضداً نوعياً للطين، وهي النار، فالنار ثابتة الصفات متغيرة الشكل، غير قابلة للتشكيل، ثم أنها تستدعي الحذر، وتبعث على الأذى، فضلاً عن كونها وسيلة للعذاب والخوف والهول والألم المفرط، الذي يحمل نُذُرَ الندم لمن يقرب منه.

هذا البعد الأدبي الرفيع اللغة، في العنوان يحمل شِعريةً كثيفة، فيها من الجزالة ما يدهش القارىء، ويشغل العقل، ويجذب الروح، ويغري بالقراءة، فضلاً عن كونه يحمل جانباً فلسفياً من خلال الانتقائية في استخدام عناصر الطبيعة الأربعة، الماء والنار والهواء والتراب، فهو يأخذ عنصراً واحداً كطرف في الصراع وهي النار، بينما يدمج ويعاضد في الطرف الآخر من الصراع عنصرين معاً، هما الماء والتراب اللذان يجتمعان في الطين، التراب الذي هو أصل الإنسان والماء الذي يبث الحياة في التراب، وهو سرّها ومكونها الرئيس. 

من هذه الرؤية الحصيفة ينطلق الدكتور عدنان الشحماني في شرح الصراع بين الإنسان وإبليس، واضعاً الشكر فيصلاً بينهما، وبيضة القبان في إدارة الصراع الذي يتحول إلى صراع أخلاقي يستوجب كل جوانب الشكر، من الاعتراف بالفضل إلى العرفان للمتفضّل وصولاً إلى بلورة الصفات الحميدة العليا للشاكرين، ومكانتهم في الأرض والسماء.

إن رؤية بهذا العمق الفلسفي والطرح الادبي ليست بغريبة على طالب نجيب للمرجع الراحل السيد محمد محمد صادق الصدر، وتابع متأدب بأدبه، قريب من نفحات عرفانه، تمكن من الإمساك بلحظات تجليه، وجذوة الثورة على نفسه قبل أن ينطلق بثورة التنوير والتجديد المعرفي للنفس البشرية.

  الأكاديمي زين العابدين السلطاني

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *