مفهوم الثقافة وعناصرها ينظر التيار الرسالي إلى الثقافة باعتبارها نشاطاً فكرياً وإبداعياً جمالياً مؤثراً في المجتمع، ومن المؤكد أنه نشاط يجعله من العناصر المهمة في الحوار الحضاري والصراع الحضاري كذلك، بين المجتمع الرسالي والمجتمعات الأخرى. كما ينظر إلى الثقافة باعتبارها نشاطاً يتألف من ثلاثة عناصر، هي بالترتيب: اكتساب المعلومات المختلفة في علوم اللغة والنقد والتاريخ والسياسة والاقتصاد والفلسفة والديانات والاجتماع والآداب وغيرها، يليها الفهم العميق لهذه المعلومات ونقدها وتحليلها وانتقاء ما ينفع منها للمجتمع والخروج بنتائج، تساعد على اتخاذ موقف من الحياة والصراعات الدائرة فيها وموقف من المفاهيم الجديدة على المجتمعات. أما العنصر الثالث فهو الجانب السلوكي الذي يمثل التطبيق العملي في الحياة، واتخاذ القرارات الشخصية للمثقف بناءاً على ما وصل إليه من نتائج، وإشاعة ثقافته من خلال نتاجاته المكتوبة والمسموعة والمرئية، وحتى في سلوكه اليومي الشخصي، الذي يعطي نموذجاً للآخرين باعتباره حامل فكر، وقدوة للمحيطين به قال تعالى في سورة الشعراء الآية 225 و 226 (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ؟).
موقف التيار ونموذج القرآن ولابد للتيار الرسالي من تحديد موقفه من الثقافة، لأنها تدخل اليوم إلى كل بيت وكل عقل عن طريق وسائل التواصل والاعلام، مما يجعلها عنصراً مهماً في تشكيل شخصية الإنسان والمجتمع، في عالم تعصف به رياح متعددة الاتجاهات بين الإيمان والإلحاد، وخلط الدين بالقومية ومزج المفاهيم بين الحرية والإنفلات، والمقاومة والإرهاب، لتمييع شخصية المجتمع الإسلامي الذي يواجه تحديات شتى، فكرية ووجودية وسياسية واقتصادية وغيرها من التحديات. وقد أعطى القرآن الكريم نموذجاً للمثقف الرسالي في مواطن عديدة منه كقوله تعالى (إنما يخشى اللهَ من عبادِهِ العلماءُ إن الله عزيز غفور) فاطر 28. كما أعطى معياراً نقدياً لسلوك الشاعر في السورة نفسها، بشروط لابد منها لتحقق الفعل الثقافي الناضج المؤثر بشكل إيجابي في المجتمع في قوله تعالى في سورة الشعراء الآية 224 (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)، ولكنه يستثني منهم من امتلك شرائط الثقافة التي ذكرناها آنفاً بقوله في الشعراء الآية 227 (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) فالشرط الأول الإيمان والشرط الثاني هو العمل الصالح المستمد من هذا الايمان، والنتيجة هي الانتصار بعد أن ظُلِموا.
من هو المثقف الرسالي؟ المثقف الرسالي، هو الإنسان الذي فهم خط المرسلين والصالحين والمعصومين عليهم السلام، وتبنّى هذا الخط منهجاً وموقفاً يستند إليه، وينطلق منه في فهم متغيرات الحياة، واعتمد قيمهم وأخلاقهم ورؤاهم، ومواقفهم، وتعمّق في رسالات الله تعالى عن طريق كتبه ورسله وشرائعه وتعاليمه السمحاء، وحوّل كل هذا إلى نتاجات ثقافية مؤثرة في المجتمع، تتحدث بلغة العصر ويفهمها القارىء الاعتيادي، توصل لهذا القارىء روح الرسالات ومقاصد الشخصيات الرسالية الكبرى في التاريخ البشري، سواء كانت نتاجات المثقف قصصية أو شعرية أو فلسفية أو نشاطات إعلامية أو نقدية.
الأدوار والمهام يكمن دور المثقف الرسالي في العديد من الأنشطة؛ منها إيصال وشرح المنظومة الفكرية والعقائدية التي يشكلها خط المرسلين والانبياء والمعصومين والصالحين عليهم السلام للمجتمع، بشكل مبسط ولغة مفهومة، وعصرية، بعيدة عن لغة المتخصصين بالفقه والفلسفة. كما يلعب دور المرشّح الذي تمر من خلاله الأفكار والتقاليد والفلسفات الوافدة، أو المستحدثة من داخل المجتمع، لتنقيتها من الأغراض غير المناسبة للمجتمع الرسالي، والأخذ بالصالح النافع منها، والتصدي لكل ما ينطوي على الإضرار بالعقل الاجتماعي للمجتمع. يضاف إلى ذلك فهم الصراعات الفكرية والعقائدية في العالم، لتكوين صورة واضحة عن الاصطفافات الفكرية العالمية، وإيضاحها بشكل فني جميل معاصر إلى الجمهور، ليكوّنوا نوعاً من الحصانة الذاتية تجاهها. وكذلك استلهام الكتب السماوية وسير الشخصيات الرسالية العظمى، وأقوالهم ومواقفهم والأحداث التي مرت بهم، وتاريخهم الجهادي والظلم الذي تعرضوا له والثورات التي قاموا بها، والمواقف المثالية التي ضربوا بها المثل في الثبات والجمال والعطاء والتضحية وبناء الإنسان والمجتمع، لتكون حاضرة في نتاجاته في كل مناسبة سانحة، لإدامة حضور الرموز الرسالية في الوعي الاجتماعي، وجعلهم قدوة دائمة للجمهور، يشكلون حضوراً جميلاً دائماً في أذهانهم، وجزءا رئيساً من عناصر وعي الجمهور. وعليه أيضاً تبنّي مواقف صالحة من المشاكل الاجتماعية والاحداث العالمية والإقليمية والداخلية، والترويج لهذه المواقف بشكل ثقافي ملتزم يوضح أسباب هذه المواقف ونتائجها. مع إدراك أن تأثير الثقافة هو تأثير تراكمي بعيد الأمد لا ينتجه مؤلف واحد، ولا حتى مثقف واحد، فهو تأثير مستمد من حراك ثقافي يمتد على أجيال تكمل بعضها بعضاً في بناء طويل الأمد يساهم في بناء مجتمع رسالي مؤهل للعب دوره المطلوب منه في دولة العدل الإلهي. وأخيراً، القرب من الجمهور وفهم ما يدور في ذهنه وأسلوب حياته وما يفكر فيه، والابتعاد عن الصورة النمطية للمثقف، والتي تنطوي على التعالي على الواقع والعيش في بروج عاجية، وهو ما رسّخته السلطات الغاشمة بوسائل إعلامها.
التحديات الثقافية أما التحديات الثقافية التي يواجهها المجتمع الرسالي فهي كثيرة وكبيرة منها ضعف حصانة المجتمع أمام الثقافات الوافدة، وانبهاره بها، بسبب الضعف في فهم ثقافته الرسالية، مما يجعله مكشوفاً أمام انهمار الفكر الوافد المطرّز بحجج كثيرة غير مردودة. وكذلك الانبهار أمام ثقافة الآخر، وهو انبهار نابع من تردّي واقع مجتمعاتنا خدميا واقتصاديا، أكثر منه انبهاراً بمكنون ثقافات الآخر، بل هو انبهار مدعوم بتطور الآخر عمرانياً وتقنياً، هذا التطور الذي دائماً ما يستخدم باعتباره حجة على نجاح منظومة الآخر الثقافية، رغم انعدام الربط بين العنصرين. كما يواجه تحدي ضعف دور المثقف الرسالي، سواء كان بسبب ضعف وسائل نشر أفكاره وإيصالها للمجتمع، أو ضعف موقفه غير المدعوم من أصحاب القرار، أو حتى بسبب ضعف بحثه ومعلوماته وقراءاته المنتجة. فضلاً عن القيود الاخلاقية والعقائدية والاجتماعية النابعة من منظومة التعاليم السماوية والشرائع، والتي يلتزم بها المثقف الرسالي، فتحد من وسائله، لا سيما في الإعلام، بينما يتصدى لآخرين يمتلكون أساليب تروج لأفكارها بالاعتماد على إثارة الغرائز أو الكذب أو التضليل والتلاعب بالألفاظ لطمس الحقائق، وهذا ما يترك خللاً في الميزان بين الطرفين، تحتاج معالجته إلى أساليب خاضعة للتحديث دائماً، ومستندة إلى معالجة فكرية ودراسات تعتمد أساليب الكتب السماوية في خلق حوافز إنسانية طوعية جاذبة، للإيمان الثابت الذي يؤكد على زوال الغرائر، وبقاء مخلفاتها وأذاها على المدى البعيد دنيوياً وأخروياً. وأخيراً، قلّة مراكز الدراسات الإسلامية الرسالية التي ترفد المثقف بمعطى فكري وخلاصات مهمة، تدرس نتاجاته من ناحية، ويستفيد من نتاجاته في تفاعل مستمر من أجل الوصول إلى الهدف الأسمى للمثقف الرسالي، وقد اهتم التيار الرسالي بهذا الجانب من خلال تأسيس مركز دراسات مهم يستفيد من خيرة العقول الأكاديمية في محاولة لسد النقص في هذا المجال.
الشيخ سجاد الغراوي


لا يوجد تعليق