في عظمة الغاية وصعوبة المسار ينظر التيار الرسالي إلى مشروع “بناء المجتمع الرسالي” باعتباره الهدف الأكبر والأسمى لكل جهوده، لكنه في الوقت ذاته يدرك بوعي عميق أنه الهدف الأكثر صعوبة ومشقة. فبناء المجتمعات ليس كبناء الجدران؛ إنه مسار يحتاج إلى جهود تراكمية تمتد لفترات زمنية طويلة، ومنهجية ثابتة، وقدرة فائقة على التعامل مع تنوع هائل في الشرائح الاجتماعية والأعمار والأجناس والمستويات الثقافية والاقتصادية. إنها عملية شاقة تبدأ بمهمة “التطهير” قبل “التعمير”؛ أي هدم القيم الدنيوية المشوهة والمادية التي تسللت عبر وسائل الإعلام والتعليم، والتي لا تمت بصلة لواقعنا العقائدي ولا لنماذجنا الإنسانية المتمثلة بسيرة الأنبياء والمرسلين والمعصومين (عليهم السلام).
القرآن: خارطة طريق من التوحيد إلى التكافل وفي خضم هذه المعركة البنائية، يبرز القرآن الكريم كخير عون ودليل؛ فهو يتوجه للمجتمع بآيات ترسم ملامح الحياة. تبدأ الرحلة من “التوحيد” كأساس متين، لتنطلق منه نحو الفضاء الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي، مصداقاً لقوله تعالى في سورة البقرة: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ..)، ثم تعرج الآية فوراً على العطاء المالي للقرابة والمساكين، وإقامة الصلاة، والوفاء بالعهد، والصبر في البأساء، لتكتمل صورة “التقوى” الاجتماعية.
وبعد ترسيخ التوحيد، تأتي ضرورة أن يكون المجتمع “موحَّداً” في مسيره. وهنا لا نعني إلغاء الفوارق الطبيعية في اللغة أو الأنساب، بل نعني وحدة السير على “الصراط المستقيم” وعدم التشتت في السبل المتفرقة، كما حذر النص القرآني: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ). ولا يكتمل هذا البنيان إلا بربط “محبة الله” بـ “اتباع الرسول”؛ في معادلة شرطية دقيقة (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، فلا وصول للهدف الرسالي دون اتباع الشخصية الرسالية التي هي الدليل والقدوة.
روح المجتمع: التعاون والتراحم (النموذج العراقي) حين تنضج هذه الثمار، تتجلى في المجتمع صفة “التعاون” بأبهى صورها؛ حيث يأمن الفرد على نفسه وأهله لثقته بوجود مجتمع يسنده. ولعل الواقع العراقي يقدم برهاناً ساطعاً على ذلك؛ ففي “الشعائر الحسينية” يعيل المجتمع ملايين الزائرين لأسابيع بجهد تطوعي وإنفاق شخصي تعجز عنه الدول العظمى. والمثال الأشد وضوحاً تجلى حين انكسر الجيش الرسمي، فهبّت “المرجعية الرسالية الرشيدة” بفتواها، واستجاب المجتمع المتعاون ليردع قوة عسكرية غاشمة، محققاً قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى).
ويرتقي هذا المجتمع من التعاون إلى “التراحم” (وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)، وإلى العفو والصفح الجميل الذي يغسل القلوب، وصولاً إلى ذروة “الإيثار” وتقديم الآخرين على النفس ولو كان بهم خصاصة. وتسمو النفوس حتى يصبح إطعام الطعام عملاً خالصاً لوجه الله، يشمل حتى “الأسير” والعدو الضعيف، في قمة إنسانية لا تضاهى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا).
منهجية البناء: من نواة الأسرة إلى حصانة المجتمع يعتمد التيار الرسالي منهجية التدرج، فالبناء يبدأ من “الأسرة”؛ اللبنة الأولى التي لا يمكن تشييد مجتمع متين دون صلاحها. ومنها تتسع دوائر الإحسان كتموجات الماء؛ من الوالدين إلى ذوي القربى فالجار واليتامى (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شيئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..). هذا البناء الظاهري يوازيه بناء باطني بتنقية النفوس من “سوء الظن” و”التجسس” و”الغيبة”، تلك الأمراض التي تفتك بالروابط الاجتماعية، امتثالاً للأمر الإلهي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ..).
تحديات في وجه العاصفة يدرك التيار الرسالي أن هذا البناء الشامخ يواجه اليوم تحديات مصيرية تهدف إلى تقويضه، ولعل أخطرها تلك “المحاولات العالمية” الممنهجة لتفكيك “الأسرة”. فبعد انهيار القيم في المجتمعات الغربية، باتت سهامهم موجهة نحو مجتمعاتنا عبر الترويج لأنماط شاذة كالمعاشرة بلا زواج، أو ما يسمى بـ “زواج المثليين” الذي ينتج مجتمعاً عقيماً ومريضاً. كما تبرز تحديات “مفهوم الحرية” المشوه، الذي يدفع الشباب للتنصل من بر الوالدين، ويشجع على التحلل الأخلاقي تحت شعارات براقة، تديرها منصات تواصل مصممة بدقة لهذا الغرض. ويبقى الخطر الأكبر كامناً في التدخلات السياسية والاقتصادية لتغيير “المناهج التعليمية” وسلخها عن هويتها العقائدية، والعبث بـ “قوانين الأحوال الشخصية” لتحويل الأسرة من كيان مقدس تحكمه السماء، إلى مؤسسة ورقية هشة تحكمها الأهواء.
الشيخ طالب الحلفي


لا يوجد تعليق