دور الرسالي يمثّل جزءاً من رسالته، فهو يأتي من نسيج أزمات مجتمعه، وظروف زمنه والإنحرافات التي يواجهها من أجل تصحيحها، وهدي الآخرين ومساعدتهم للخلاص من فتنها.

وقد ذكر القرآن الكريم أدواراً أدّاها الأنبياء والصالحين عليهم السلام، فكانت أهدافهم واحدة، ووسائلها مختلفة بحسب زمنهم، فكانت وسائل النبي يوسف عليه السلام، تركز على الصبر أمام غدر الأقربين، والاعتصام بالله تعالى أمام إغراء المرأة الجميلة الحاكمة، وإدارة موارد الأمة في الأزمات والقحط، وتفسير الرؤيا، في زمن شاعت فيه القدرة على التفسير.

بينما بعث موسى عليه السلام في زمن انتشر فيه الاعتماد على السحر والسحرة، فكانت عصاه آيةً تحدّث الآخرين بمعجزات يفهمونها وفق منطق عصرهم.

وقد بعث النبي شعيب عليه السلام من أجل الموازين ورفض بخس أشياء الناس كما جاء في سورة هود – سورة 11 – آية 84

(وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإنّي إخاف عليكم عذاب يوم محيط)

وهكذا تتسلسل رسالات الله تعالى إلى الناس كلٌّ في عصره وتحديّاته، فما هو دور الرسالي الآن؟

بشكل أكيد سيستمدُّ الرسالي المعاصر دوره من أزمات الإنسانية الآن، فهو يعيش زمناً تنتشر فيه الدعوات والترويج لزواج الذكر من ذكر والأنثى من أنثى فيتفكك مفهوم الأسرة، ويصبح فيه الفساد المالي والإداري مورداً للإثراء الفاحش، وتتحكم فيه القوى الكبرى بمصير الشعوب فتخلق تجمعات استيطانية، وتبيد سكان الأرض الأصليين، ويصبح فيه الرجل ذئباً يحاول جعل النساء متاحات للجميع، من أجل افتراسها تحت شعار حرية المرأة، ونسمع دعوات كثيرة لحرية الرأي والمعتقد والدين، بينما تتدخل القوى الكبرى في تشريعاته المستمدة من عقيدته، هو زمن تقام فيه الحروب تحت ذرائع وشعارات عقائدية، بينما الهدف من هذه الحروب هو الهيمنة على ثروات الشعوب، أو بيع ترسانات الأسلحة الضخمة للأطراف المتحاربة.

هذا جزء يسير من مشاكل وفتن العصر الراهن، الذي لابد أن ينعكس على دور الإنسان الرسالي في معالجة أزمات عصره، مما يوجب على الرسالي أن يتمسّك بأخلاقه الشخصية، ويحافظ على قدسية الأسرة ونظامها الداخلي، وتراحمها وتماسكها، ويساعد المرأة في الحصول على حقوقها التي منحها الله، في تكوين الأسرة والإنجاب، ومركزيتها في البيت، واحترام كرامتها الإنسانية وصونها عن الابتذال، ويساعدها في تحصيلها العلمي، وإعطائها كل حقوقها المادية والمعنوية التي تجعلها فاطمية الأمومة، زينبية الرسالة والتأثير في المجتمع، ويجعلها التربوية الحاكمة في البيت من بعده، تحمل عنه جزءا من عناء الحياة وهو يحمل أعباء الكسب للأسرة. 

وعلى صعيد الرأي والمعتقد، فالإنسان الرسالي مطالب برفض الفساد وفضحه، واتخاذ المواقف المساندة للمظلومين في مجتمعه والمجتمعات الأخرى، انطلاقاً من مواقف الأنبياء والصالحين والمعصومين عليهم السلام، وأن يؤدي فرائضه الدينية ومستحباته، وطقوسه وشعائره بفهم أوسع، فإن في الشعائر لفتات مهمة على الرسالي أن يفهمها، على سبيل المثال، أن يرى في زيارة أربعينية الإملم الحسين عليه السلام، وحدةً للشعوب المشاركة فيها، وممارسة للانظباط ضمن الجموع المليونية، واستعراضاً بشرياً للقوة أمام العدو والصديق، وتمرّساً في خدمة المجتمع وبذل الوقت والجهد والمال في سبيله، وترويضاً لكبرياء النفس، من خلال خدمة الصغير والكبير، وتحديّاً للعروش والدكتاتوريات والقوى المهيمنة، التي تتمثل بيزيد كل عصر، الذي عليه أن يواجه الحسين الموجود في كل عصر من خلال امتداد رسالته في الإنسان الرسالي.

هذه إطلالة محدودة جداً لدور الانسان الرسالي، قد تجعلنا كلنا نفكر بهذا الدور، ونطوّره مع الزمن، كل حسب مقدرته وسعيه.  

الشيخ سجاد الغراوي

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *