12 2 copy scaled

حديث في الشباب.. قوة الحاضر وأمل المستقبل

يُعنى التيار الرسالي بالشباب عناية خاصة؛ لأنهم يمثلون الحاضر الممتد إلى المستقبل، وتلك الفئة العمرية التي تمتلك القوة والقدرة على مسايرة المعطيات والمتغيرات الاجتماعية والتقنية والاقتصادية التي تواجه المجتمع. إنهم القوة القادرة على تنفيذ رؤية وفكر الخبراء وقيادات المجتمع، ابتداءً من مراجعه العظام حتى آخر صاحب قرار اجتماعي.

إن تنشئة هؤلاء الشباب على قيم وتعاليم وأخلاق الأنبياء والمعصومين (عليهم السلام) هو الوسيلة الكفيلة بإنشاء مجتمع رسالي يبدأ من الأسرة ليمتد إلى المؤسسة التعليمية والدائرة الحكومية والشارع. والاهتمام بهذه التنشئة ينبع من ضرورات كثيرة، لعل أبرزها أن الشباب هم الخط الأول في التصدي للهجمات الفكرية والثقافية والمنظومة المفاهيمية الوافدة، والتي تنطوي على الكثير من المآرب التي لا تتفق مع الهوية الرسالية للمجتمعات الإسلامية.

فالشباب الرسالي ليس مجرد جزء من البناء المستقبلي للأمة، بل هو كل مستقبل الأمة؛ ذلك المستقبل الذي يبدأ من الأسرة القويمة، وصولاً إلى المجتمع الرسالي المتكاتف السائر نحو هدف موحد هو “إقامة دولة العدل الإلهي”. هذه الغاية تحتاج إلى شاب مجاهد لنفسه أولاً، ومجاهد في بناء دولته ثانياً، فضلاً عن حمايتها من الفتن الفكرية والأخلاقية المتمثلة في محاولات اللعب على الغرائز للوصول إلى مجتمع ملحد أو مشجع على الشذوذ الأخلاقي لا سمح الله.

ومن هذه المنطلقات، واعتماداً على المكنون العقائدي والفكري والثقافي والأخلاقي الكبير الذي تمتلكه الأمة – والمتمثل في سيرة الأنبياء والمعصومين والصالحين (عليهم السلام)، وما يمثله القرآن الكريم من دستور سماوي ثري لا ينفذ – يمكن للتيار الرسالي أن يخلق أجيالاً شابة قوية متماسكة، تتمكن من مواجهة الأساليب الجديدة في نخر المجتمعات والتلاعب بقيمها عبر ما يسمى بـ “القوى الناعمة”. هنا ندرك مدى تأثير وأهمية انخراط الشاب الرسالي في إقامة الشعائر الدينية التي تلعب أدواراً تربوية ومجتمعية كبرى، مضافة إلى أهميتها الدينية والروحية.

لذلك، تهدف جهود التيار الرسالي إلى وضع الشباب أمام حقيقة دورهم في الصراع الأزلي بين أتباع الله وأتباع الشيطان، ودورهم الكبير في إصلاح الأمة وتخليصها من أدران الفتن والتردّي. هذا يستوجب بناء قدراتهم الذاتية بدنياً وفكرياً وعقائدياً وتعليمياً مصداقاً لقوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، وإيضاح أهمية دورهم الرسالي ليَعوا مكانهم ومكانتهم في هذا الصراع.

كما يسعى التيار لمنحهم الثقة بقدراتهم، وتشجيع مبادراتهم الخيّرة على الصعيد الفكري والثقافي والاقتصادي، ليتحولوا إلى “منظومة قوى ناعمة” تصمد وتنتصر في الحرب الناعمة الدائرة في كل زاوية من زوايا العالم. ويتم ذلك عبر تثقيفهم بالمنظومة الفكرية والأخلاقية والفقهية القرآنية لتشكيل هويتهم الرسالية، وتثقيفهم بأخلاق وسير الأنبياء والمعصومين ليمتلكوا القدوة المثلى والحجة على أنفسهم (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). وأخيراً، تشجيعهم على الاندماج في المجتمع والجماعات الخيرة لتنمية روح التعاون وإدارة فن الاختلاف، وتذكيرهم دائماً بالهدف الأسمى: “الاستخلاف في الأرض” لعمارتها قيمياً وحضارياً كجزء من العبادة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ).

 


 

حديث في المرأة.. شريكة البناء وحصن المجتمع

وعلى الضفة الأخرى من النهر، ينظر التيار الرسالي إلى دور “المرأة الرسالية” نظرة طموحة تتناسب مع الدور المؤثر الذي منحه الله لها. فإذا كانت الأسرة محور بناء المجتمع، والمرأة محور بناء الأسرة، فهي إذن المكون الذي يساعد في إدارة أفراد هذا المجتمع ويمنحهم الطاقة على العطاء والاستمرار. إنها المنجبة، والمربية، والزوجة التي تدور الأسرة في فلكها؛ هي ريحانة الأب، وسواعد الأم، وحضن الطفل، وسكن الزوج.. دورها أكبر بكثير مما يراه قاصرو النظر وأصحاب النوايا الهدّامة.

المرأة الرسالية هي شخصية اجتماعية تتمثل النماذج الكبرى لسيدات نساء العالمين؛ من حواء وآسيا بنت مزاحم ومريم العذراء، وصولاً إلى خديجة الكبرى والزهراء والعقيلة زينب (عليهن السلام). وقد أكد القرآن على تكاملية الخلق (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى..)، مما يجعل دورها في السنة التكوينية والتشريعية عظيماً جداً.

تتسع رؤية التيار الرسالي للمرأة باعتبارها مكلفة بأدوار رسالية كبرى؛ فهي السند للأنبياء، والمصدقة لرسالاتهم، والمهاجرة معهم، وحاملة راياتهم، والصوت الصادح بالحق في عقر دار الظالمين. لذا، فإن دورها في تشكيل المجتمع الرسالي لا يقل أبداً عن دور الرجل، بل يساويه، وقد يزيد عليه في حال غيابه، لتأخذ دوري الرجل والمرأة معاً كما تفعل نساء الشهداء العظيمات.

إن مواصفات المرأة الرسالية تتجلى في تلك التي ترى في وجودها وعملها عملاً خالصاً لله، ودوراً في التمهيد لدولة العدل الإلهي. ولكن، يدرك التيار الرسالي حجم التحديات التي تواجهها في هذا العصر، من محاولات “التسليع” التي تقتل إنسانيتها، إلى خلق “صورة نمطية” ظالمة عن المرأة المحتشمة، ومحاولات “تمييع الحدود” بين الحقوق والواجبات مما يزعزع الأسرة، وصولاً إلى دفعها لـ “التمرد” على البناء الأسري وإدخالها في صراعات جانبية تبعدها عن دورها الحقيقي.

وهنا ينصب الجهد الرسالي في خطوات عملية: تثقيف المرأة بسير العظيمات لتكنّ لها قدوة، وتحصينها بالقرآن الكريم، وتعريفها بحقوقها الشرعية الكاملة التي قد تغيبها بعض الأعراف، وتعريفها بالجوانب الجمالية الحقيقية التي يفضلها الرجل كالحشمة والحياء (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء). كما يتم تشجيعها على التحصيل العلمي والأكاديمي، وتثقيفها بدورها الاجتماعي الذي يتعدى الخدمة إلى “الرقابة والتربية والتقويم”، لتكون بذلك ركناً أساسياً في مجتمع رسالي يمهد لدولة العدل الإلهي.

 

الشيخ طالب الحلفي

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *